تدريباتنا

من سوريا إلى برلين: سرديات الحياة والموت في كتابات هنادي زرقة

بواسطة | يونيو 8, 2025

صدر للشاعرة السورية هنادي زرقة هذا العام كتابين في فترة متقاربة عن دار أثر وهما ديوان شعر بعنوان “مثل قلب على مدخل البيت” والثاني بعنوان “ماذا تعرف أنت عن الحرب”. 

جمعت زرقة في كتابها الثاني مقالات كانت قد كتبتها خلال الحرب السورية بعين الشاعرة الحساسة والواعية والمراقبة التي بقيت في البلد إلى فترة قريبة، ولم يمنعها وجودها في قرية من قرى الساحل البعيدة عن الأحداث المباشرة من الاقتراب من الهم العام والمشاركة به ورصد تشعبات وخيوط المقتلة السورية في المحافظات البعيدة والقريبة، وعبر ما يصل إلى مدينتها من مهجرين وضحايا.

تنتقل زرقة من العام إلى الخاص وبالعكس، حتى يتشابكان ويطغى أحياناً أحدهما على الآخر ثم العكس في توليفة قريبة من قلب القارئ وإحساسه ومنتقلة بين هذا وذاك وبين المعلومة العامة المتنوعة بين الفكري والسياسي والجغرافي لتصنع في كل مقال لوحة متكاملة يستطيع القارئ من خلالها تكوين فكرة واضحة عن حدث معين في خريطة البلاد. 

مسلطة الضوء على تحولات الصراع في سوريا والحرب الدائرة فيها عبر أعوام طويلة قبل سقوط نظام الأسد، كان فيها الناس يتداولون عبارة: (الله يفرجها على العباد) وكأنهم كانوا ينتظرون فرجاً إلهياً للخلاص. بينما بقي الحذر حاضراً بينهم. ومن الرقة المدينة المهملة تاريخياً والتي انتفضت على النظام فعوقبت بتركها لقمة سائغة أمام داعش والتطرف المسلح فعانت من هجرة أبنائها بصمت، إلى حلب وطرطوس وغيرها. وكيف صارت الهجرة هاجس الشباب على تنوعهم وصار مستغرباً أن يبقى أحد في البلد. تتساءل هنادي: هل السفر خيانة؟ وحين يكون الثمن هو الحياة هل سيكون الخلاص الفردي خيانة؟ بينما تتحول البلاد إلى مقبرة والبقاء يعني الشروط الدنيا للحياة وترى في مكان آخر أن “البلاد جثة محمولة على الأكتاف وما من مقبرة تدفن بالمجان سوى مقبرة التطرف”.

قد يقول من يقرأ هذه السطور إنه التشاؤم لكنها هواجس كل سوري، وفي السياق تعود زرقة لتحليل الحالة السورية فتحمّل النخب مسؤولية التقصير في توجيه الحراك منذ البداية والاكتفاء بالمراقبة مما تركه عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية والدينية، فأطال عمر النظام ومعاناة البشر، وتذكر كيف منحت صيحات المناداة بالتدخل الدولي والعسكري المبررات للنظام البائد الذهاب بالعنف إلى الآخر، أما عن دفع الأثمان فنرى العائلات المهجرة تنتظر سلال الإغاثة التي اجتمع المهجرون عليها من كل الأطراف تحديداً النساء منهم في باحة كنيسة ورغم الحذر والتخوف من الآخر انتهى بهن الأمر إلى تبادل رواية المأساة حتى البكاء و كأنه نداء إنساني يوحدهم تجاه المتاجرين بالدم السوري، لم تكن جهة الإغاثة تابعة لأي طرف لكن العاملين فيها كانوا من كل طوائف سورية.

كان الساحل حافلاً بصور الضحايا والنعوات والعاهات الناجمة عن إصابات الحرب وأطفال المهجرين الذين حاولوا البحث عن بيئة آمنة، حتى بات يعاني من كثافة سكانية هائلة.

تقول زرقة: “الساحل يحكمه الخوف” لعله الخوف الناجم عن تلك المشاعر المتناقضة ولعله الخوف من المستقبل بالتركة الصعبة التي حملها. وهو ما ظهر للأسف بعد سقوط النظام. 

 تميل هنادي أحياناً للإسهاب في سرد الذكريات الشخصية والعائلية وإعادة تقييمها وتأثير الآخرين على شخصيتها موازية بين مرض والدتها بالزهايمر ومرض البلاد التي صار بينها وبين أبنائها غربة كبيرة. وتحدثنا عن صديقتها مها جديد التي عملت بالإغاثة وما قدمته لسوريا، الجميل في حديث زرقة عنها أنها لا تتجه إلى الرثاء رغم كل ما تركته صديقتها من ألم بغيابها بل تحدثنا عن أعمالها وقيمتها الإنسانية وعن أفعالها.

في الجزء الذي تنشغل فيه بالهم العام والمعاناة الاقتصادية اليومية للبشر يظهر ذلك التردد الذي شغل كل السوريين، وهو البقاء في البلاد ورغم تأكيدها أنه حالة طبيعية كالتنفس لكن ذلك كان بمثابة إشارة لفوات البديل فالطبيعية تغدو حالة غير عادلة في عمق الصراع.

تسافر هنادي زرقة أخيراً إلى ألمانيا، تقول: “لا يموت الغرباء بالسرطان أو احتشاء القلب بل يقتلهم الحنين وتفتك بهم الذكريات”، وهو ما ينقلنا إلى ديوانها ” مثل قلب على مدخل البيت ” الذي نوهنا لصدوره في البداية. يأخذنا العنوان إلى قصيدة قلب ينبح وحيداً، فالبلاد التي تحترق تحيل الحريق إلى دواخلنا حتى أنها تنوي أن تترك قلبها على مدخل البيت مربوطاً مثل كلب يحرسه ويشيخ، وحين توضب ثيابها وتضع النفتالين لتحفظها تتساءل هل ينفع ذلك مع الذكريات، وتسارع إلى الرغبة برمي كل شيء واقتناء ذكريات جديدة.

تتابع هنادي في ديوانها ذلك الاشتباك بين العام والخاص، العام الذي تبدل بسفرها وانتقالها إلى برلين لكنه بقي يمارس تلك الثنائية مع الخاص وتمكيناً للتجربة الذاتية حيث الحيز الأكبر في الديوان والذي يبدأ بقصيدة تفصيلية لملامح وجهها في المرآة كأنها تقرأ لوحة محايدة، وتعطيها دلالات عديدة، تتأملها راجية أن تنال في النهاية ضحكة في زمن الموت وكأنها تقول كم هي عزيزة تلك السعادة.

لتتابع فيما بعد عرض تاريخ عائلي للألم من فقدان الأب إلى الفقر الذي فرد جناحيه على العائلة بعد موته ومعاناة الأم في بلاد لا ترحم ولا تنتبه إلى آلام سكانها.

تعترف زرقة أن الشعر أعاد ولادتها، الولادة من رحم الشعر هي التي تختارها وهي التي تستحق الاحتفاء، حين كتبت أول قصيدة أهدت نفسها قالب حلوى واحتفلت بميلادها الجديد. اختيار ميلادها بمثابة الاستقلالية المؤكدة والتي تتابعها فيما بعد حين تؤكد أن الحياة تعلمنا الاعتناء بأنفسنا كأمهاتها لنكمل نقص الحنان فيها في إشارة أخرى إلى مرض الزهايمر الذي قلب الأدوار بينها وبين أمها.

  تشغل قصائد زرقة الوحدة بشكل كبير وإن كانت حاضرة في البلاد فقد تضاعفت بعد سفرها على ما يبدو فالوحدة التي نطلبها في مرحلة من الحياة تتحول إلى عبء مؤلم لا فكاك منه، وبينما يعمد الآخرون إلى تربية الحيوانات لاحتمال الوحدة تعمد هي إلى الاستعانة بقلبها كحيوان أليف، أو بديل الطفل الذي لم تنجبه، إنه دليل ذلك الاحتواء الذاتي وبلسمة الجراح ذاتياً كتعبير أصيل عن الوحدة الحقيقية. 

الوحدة التي تستدعي الذكريات والبكاء والضجر والتي لا يداويها حتى الحب. 

تحافظ زرقة على قصيدتها بذات التوهج وفي اختيار النهاية التي تكون على هيئة نقلة نوعية مفاجئة من العام إلى الخاص أو العكس لتجعل القارئ يتلمس ذاته، مع تلك الشفافية المنسابة إلى الأعماق، والفرادة بمحاكاتها.

الزمن شاغل حقيقي في قصيدة هنادي لكنه يتعدى هاجس السن إلى إحصاء الخيبات والمرارات وموت الأصدقاء الذين يشكلونها كما فرانكشتاين، وحين يتساقطون يتركونها غريبة في بلاد هدمتها الحرب.

تقول في قصيدة طحالب تنمو على القلب :

“لماذا تركت الحصان وحيداً؟

كي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”

أشرد بالعبارات هل تعرف البيوت سكانها الأصليين؟

أراقب الجدران المتهالكة

قطرات المطر وهي تتسلل بين الشقوق

القطط التي تقعي أمام الباب كما لو أنه مهجور

العشب النابت في الممرات 

رائحة الرطوبة 

الطحالب تنمو على الجدران

وأصوات عويل يصم أذني.

كيف لك ان تفعل ذلك؟

أنا الحصان الذي تركوه كي يحرس البيت من الموت

الحصان الذي سيموت وحيداً

هنادي زرقة شاعرة سورية لها بصمتها الخاصة وصوتها المميز لها في الشعر: “الزهايمر” ، “الحياة هادئة في الفيترين”، “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود”، وترجمت أعمالها لعدة لغات كالدانمركية والألمانية والفرنسية، وكتبت في السفير والأخبار والآداب وموقع أوان وغيرها.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا