بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
مع تحول الثورة السورية إلى حربٍ طويلة، نَشطت في سوريا عشرات منظمات المجتمع المدني المُموَلة. ومع استمرار عملها طوال سنوات الحرب وما بعدها، بدأت الآراء تتباين حول جدوى وجودها، وحول الأثر الفاعل الذي تركته في المجتمع السوري، حيث تعرض جزءٌ كبيرٌ منها لكثيرٍ من الانتقادات، ورأى البعض أنها حادت عن أهداف الثورة، وقدَّم بعضها خدماتٍ مجانية للنظام السابق والحالي، بابتعاد العاملين فيها عن النشاط الثوري والسياسي المُعارض، والتوجه نحو العمل المدني المُمول، رغم افتقاره لأي تأثيرٍ حقيقي ناجع.
ورغم أن عمل المجتمع المدني يُعد من الدعائم الوطنية للنهوض بواقع البلاد، إلا أن كثيرًا من المنظمات المُموَلة، التي كانت ومازالت تعمل في سوريا، قد ساهمت بإفراغه من مضمونه الحقيقي، وحوَّلته إلى نشاطٍ مأجورٍ، يعمل تحت ضغط الأجندات المُمَوِلة، وذلك بعد أن تحوَّلت إلى كياناتٍ استهلاكية، تسعى لأن يصمد هيكلها المؤسساتي على حساب التأثير الفعلي على أرض الواقع، وباتت أهدافها وتوجهاتها تقتصر على توجيه التمويل نحو مشاريع لا هدف لها سوى إرضاء المُمول وخدمة مصالحه وأجنداته، لضمان استمرار تدفق الأموال إليها، حتى وإن كانت تلك الأجندات تتعارض مع أفكارها وتسلبها قرارها، وهو ما جعلها ترزح تحت وطأة البيروقراطية دون أي تركيزٍ حقيقي على التغيير الفعلي والمؤثّر في بنية المجتمع، إذ كانت ومازالت معظم أنشطتها تتركز على المجال الإغاثي، وعلى إقامة بعض التدريبات المهنية والسياسية، والورشات التي تتحدث، بشكلٍ نظري، عن مفاهيم عامة، مثل المواطنة والعدالة الانتقالية، دون أن يكون لها أي أثرٍ ميداني ونهضوي فاعل، وذلك نتيجة افتقارها إلى رؤيةٍ وطنيةٍ واضحة، ومشاريع استراتيجة ناجعة، وبرامج عمل مدروسة ومُحددة، لا تخلط بين العمل المدني والاجتماعي والسياسي والإغاثي.
فقدان ثقة الناس
بعد سنواتٍ من عمل تلك المنظمات في سوريا، تبدلت نظرة كثيرٍ من الناس نحو العديد منها، بعد أن رؤوا أنها تحوَّلت من أداة تمكينٍ ودعمٍ مدني ومجتمعي إلى وسيطٍ مشكوكٍ في أهدافه، فأصبحت عبارة “جماعة المنظمات”، بالنسبة لكثيرين، محط سخريةٍ وانتقاد. ورغم ذلك، لم يُكلّف كثير من العاملين فيها أنفسهم بأن يعيدوا النظر بموضوعية في الانتقادات الموجهة إليها، وأن يصححوا مسارها، ويعيدوا توجيه بوصلة عملها، من خلال آليات تقييم منهجية، تُبرز الجدوى الفعلية من وجودها، وتُخلِّصها من الشكوك والشُبهات التي تدور حولها، ولكنهم بدلاً من ذلك، كانوا يكتفون بالشعارات والتنظيرات المُعلَّبة، التي تَتحدث عن الدور والتأثير الإيجابي الذي لعبته منظمات المجتمع المدني عالمياً في نشر الوعي وحركة تقدم الشعوب، دون أن يحاولوا مُحاكاة تجاربها بأي شكلٍ من الأشكال.
وبحسب كثيرٍ من الآراء، تتشابه إشكالية عمل تلك المنظمات مع إشكالية عمل معظم المؤسسات والتيارات والأجسام السياسية التي وُلدت بعد الثورة، وكانت تعاني من الفساد، والشللية والمحسوبيات، وغياب الشفافية المالية، وكثرة الاجتماعات والندوات على حساب النشاط الميداني، والتي لا تثمر أي نتائج فعلية سوى بعض البيانات والمُخرجات الشكلية والتقييمات السطحية، التي تُلقى في أدراج المُمولين. كما أن معظم التمويلات التي حصلت ومازالت تحصل عليها كثير من المنظمات، كانت تأتي من جهاتٍ مرتبطة بدولٍ مُتورطة في الشأن السوري، وساهمت في تأزيم الصراع وإطالة أمد الحرب، لذا كانت تتبدل سياساتها التمويلية مع تغيُّر الواقع السياسي ومعطياته، وهو ما جعل عمل المنظمات، المدعومة من قبلها، مُشتَّتاً وغير قادرٍ على التركيز على مشاريع استراتيجية وطويلة الأمد.
من جانبٍ آخر، يرى كثيرون أن تلك المنظمات قد ساهمت، بشكلٍ أو بآخر، في تغييب ثقافة العمل التطوعي، الذي يُعد عاملاً أساسياً في بناء المجتمع وتعزيز الانتماء والقيم الإنسانية والمواطنة الفاعلة. ففي بداية الثورة، وانطلاقاً من شعورهم الثوري وانتمائهم الوطني، انخرط كثيرٌ من الشباب في النشاط الإغاثي والإنساني التطوعي دون أي مقابلٍ مادي. ومع تزايد أعداد المنظمات المُموَلة خلال سنوات الحرب وما بعدها، عَمِل الكثير منها على ربط ساحة العمل المُجتمعي والمدني بالنشاط المنظماتي وعمله الميداني، وكرَّست فكرة النشاط المدني المُموَّل، فنشأ كثيرون من أبناء الجيل الجديد على ثقافة “التدريبات” والورشات المأجورة، والحصول على بدل المواصلات لقاء أي نشاط، قبل أن يتعرفوا إلى ثقافة العمل التطوعي، لذا لم تَعُد الغايات والأهداف الإنسانية والوطنية، بالنسبة لهم، هي المُحفِّز الحقيقي للعمل التطوعي، بقدر ما أصبح المكسب المالي هو المُحفِّز، الذي دفع بكثيرٍ من الشباب للانضمام إلى بعض الأعمال المنظماتية، دون أي إيمانٍ راسخٍ بالعمل الذي يقومون به.
المنظمات التي تُعنى بالمرأة
رغم ولادة عشرات المنظمات النسوية خلال سنوات الحرب وما بعدها، بقي تأثيرها الفعلي خجولاً ومحدوداً ضمن دوائر ضيقة، وذلك نتيجة القيود المجتمعية والدينية والأمنية التي فُرضت عليها في العديد من المناطق، ونتيجة الانقسامات والخلافات التي وقعت بين أفرادها، هذا بالإضافة إلى سياسات التمويلات وأجنداتها، التي كرَّست حالة من المنافسة بين المنظمات على حساب دعمها لبناء حركةٍ نسويةٍ موحدةٍ وفاعلة، تنهض بواقع المرأة بشكلٍ منهجي ومُستدام.
وخلال السنوات الماضية كانت معظم تلك المنظمات تنحصر رقعة نشاطها، في المدن الكبرى، وضمن المجتمعات المدنية والمُنفتحة نسبياً، دون أن تتوجه بشكلٍ ميداني فاعل إلى المجتمعات المُهمشة والمُحافِظة والمُتشددة دينياً. وفي كثيرٍ من الأحيان، كانت تستهدف فئة محدودة من النساء، تتكرر أحياناً في أكثر من نشاط، وغالباً ما تكون من المثقفات والمتعلمات والناشطات المدنيات، على الرغم من اكتظاظ المناطق، التي تتواجد فيها مراكز الأنشطة، بكثيرٍ من النساء النازحات والمُعنَّفات والخارجات من مُجتمعات ذكورية ومُحافظة، واللواتي لا يعرفن أي شيءٍ عن تلك الأنشطة، بل وعن عمل المنظمات التي تحصل على التمويل بحجة دعمهن وتمكينهن، والتي حاد جزءٌ كبيرٌ منها عن هدفه الأساسي في الوقوف الفعلي إلى جانب النساء اللواتي كُنَّ ضحيةً للحرب، ويحتجن إلى التمكين والدعم النفسي والإجتماعي، وذلك على حساب الجانب التنظيري والشعاراتي، وهيمنة الاجندات المُموِلة، التي تفرض أفكارها التي لا تُلامس الواقع المدني والمجتمعي الحقيقي للمرأة.
وقد تعرض كثيرٌ من العاملات في تلك المنظمات إلى انتقاداتٍ كبيرة، بعد أن ابتعدن عن النشاط الثوري والسياسي المُعارض، سعياً وراء المكاسب المالية، التي تُقدمها معظم المنظمات النسوية المُموَلة، بشكلٍ جيد، من قبل بعض المنظمات والجمعيات الدولية الإنسانية، وذلك مقابل تقديم بعض الأنشطة التي يغلب عليها الطابع الارتجالي، وتقتصر في معظم الأحيان على تقديم بعض الورشات المهنية (تعليم الأشغال اليدوية والتطريز والحياكة) التي رأى كثيرون أنها تُكرِّس الدور النمطي للمرأة، ولا تندرج ضمن مفهوم العمل النسوي وتمكين المرأة.
وبعد السقوط، كان واضحاً بالنسبة لكثيرٍ من المهتمين بالشأن العام، أن سبب قدوم عددٍ من العاملات في المنظمات النسوية السياسية إلى سوريا، كان فقط بهدف الحصول على مزيدٍ من التمويل، حيث قُمن بحضور بعض اللقاءات والندوات الشكلية، وبالتقاط عددٍ من الصور، التي تُثبت للجهات المُموِلة حُضورهن (الشكلي) في المشهد السياسي النسوي الجديد، ثم عُدن إلى أماكن إقامتهم في الخارج بأسرع وقتٍ مُمكن.
وفي وقتٍ تشهد فيه البلاد انتشار حالات خطف النساء، وتزداد فيه معاناة المرأة في كثيرٍ من المجتمعات، مازالت معظم المنظمات النسوية تعمل في واقعٍ موازٍ، مُغترب عن الواقع الذي يزداد فيه الانغلاق المجتمعي والوصاية الذكورية، في ظل صعود كثير من الخطابات الدينية التي تعيد تعريف دور المرأة،دون وجود أي ممارسةٍ فاعلة تنهض بالدور المجتمعي والمدني والسياسي للمرأة، وتعمل على تغيير الأدوار الجندرية النمطية التي تُكرس السلطة الذكورية.
المنظمات بعد سقوط نظام الأسد
رغم تسهيل حركة عملها بعد سقوط الأسد، مازلت معظم المنظمات تحصر نشاطاتها في دمشق وبعض المدن الكبرى، وتستقطب جمهوراً محدوداً من المثقفين والسياسين والناشطين، الذين حفظتهم الأماكن والكاميرات، دون أن توسِّع رقعة نشاطها لتستهدف مناطق أخرى، كالأرياف والمجتمعات المُهمشة والمُنغلقة، التي ينبغي أن تكون هي الفئة المُستهدفة فعلياً. كذلك لا تزال أنشطة تلك المنظمات تتركز على إحياء بعض المناسبات المتعلقة بالثورة، وإقامة بعض الأنشطة الثقافية والمدنية المُستهلكة وغير الفاعلة، وبعض المحاضرات والندوات، التي تتحدث عن السلم الأهلي والحياة المدنية والتعايش، ضمن أفكارٍ عامة ومُعلَّبة، لا تُعبر عن وجع الناس ولا تلامس حقيقة المجتمع السوري المتنوع. وفي أكثر من مناسبة كانت الندوة أو المحاضرة ذاتها، تتكرر في أكثر من مكان، بالعناوين والأفكار والمحاور ذاتها، وبحضور المشاركين أنفسهم.
إلى جانب ذلك، توجه جزءٌ من أعضاء بعض التجمعات والمبادرات السياسية والمدنية التي ولدت بعد السقوط، نحو العمل المنظماتي المُموَل، فحصلوا على تمويل باسمها، دون إعلام باقي أعضائها ومؤسسيها، بغرض إقامة مشاريع وأنشطة مجتمعية هادفة، اقتصرت، في الواقع، على بعض الورشات الشكلية والجلسات الحوارية، التي تقوم على مواضيع سياسية وثقافية عامة ذات طابع مفاهيمي، ومعظم الحاضرين فيها من الأصدقاء والمعارف، فيما حصل آخرون منهم على تمويل بحجة دعم بعض الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، التي أقيمت بعد السقوط، وتأمين بدل المواصلات للمشاركين فيها. وقد أحدث ذلك كله انقساماتٍ كبيرة داخل تلك التجمعات والمبادرات، بعد رفض جزء من أعضائها أن تحصل على التمويل لقاء نشاطها وحراكها الوطني، الذي رآه البعض قد تحول إلى نضالٍ مأجور، يفتقر إلى الحس الوطني والمبادرة المجتمعية.
تحتاج منظمات المجتمع المدني العاملة في سوريا إلى إعادة النظر في طرق وآليات عملها، ولكي يكون لها تأثيرٌ فاعل يستهدف جميع فئات المجتمع، يجب عليها أن تتحرر من التبعية المالية والسياسية التي تفرضها أجندات المُمولين، وينبغي أن يكون الدعم الذي تتلقاه مشروطاً باحترام أهدافها وتوجهاتها، وأن تسعى إلى إيجاد تمويل وطني، لا يصادر قرارها ويسلبها استقلاليتها.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






