تدريباتنا

سباق “المنطقة الأمنية” و”اتفاق أضنة” على شرق سوريا

بواسطة | فبراير 3, 2019

هناك سباق على ترتيبات منطقة شمال شرقي سوريا بعد الانسحاب الأميركي بين تفاهم أميركي – تركي على “منطقة أمنية” وبين عرض روسي لتركيا بتفعيل “اتفاق اضنة” بين انقرة ودمشق.

في الأسابيع الأخيرة، تطورت ملامح التفاهم الأميركي – التركي حول «المنطقة الأمنية»، وستكون الأيام المقبلة حاسمة للوصول إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وأنقرة من جهة وتحديد دور «المراقبين» الأوروبيين في المنطقة وحماية الأكراد من جهة أخرى.
وتعقد في واشنطن الثلاثاء المقبل، اجتماعات اللجنة الأميركية – التركية على مستوى كبار الموظفين قبل لقاء وزير الخارجية مايك بومبيو ومولود جاويش أوغلو على هامش المؤتمر الوزاري للتحالف الدولي ضد «داعش» في اليوم اللاحق، لحل «العقد» أمام «خريطة الطريق» الجديدة بين الطرفين.
وسيكون المؤتمر أساسيا باعتبار أن ممثلي 79 دولة سيشاركون في أول اجتماع موسع ورفيع منذ قرار الرئيس دونالد ترمب في 14 ديسمبر (كانون الأول) الانسحاب من سوريا وقرب القضاء على «داعش»، واتفاقه مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان على تشكيل «منطقة آمنة» وتفاهمه (ترمب) مع نظيره الفرنسي مانويل ماكرون على «حماية الأكراد» ثم عودته للاتصال بإردوغان في 23 ديسمبر (كانون الأول) (كانون الأول) وطلب «حماية الأكراد».

“خريطة” جديدة
على ماذا اتفقت واشنطن وأنقرة؟ بعد اتصال ترمب – إردوغان وإعلان «مفاجأة الانسحاب»، زار مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون ومسؤول الملف السوري جيمس جيفري وقائد الأركان جون دونفورد أنقرة قبل لقاء الأخير مع نظيره التركي على هامش مؤتمر «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في بروكسل واتصالات بومبيو – جاويش أوغلو.
الخلاف الأول، كان على اسم المنطقة إلى أن حسم لصالح أنقرة بأن تسمى «منطقة أمنية» حماية للأمن القومي التركي وليس «منطقة عازلة» أو «آمنة» بينها وبين الأكراد.

هناك اتفاق واضح أيضا على نقطتين: أن يكون عمق المنطقة 20 ميلاً، أي بين 30 و32 كيلومترا وأن تكون خالية من السلاح الثقيل والقواعد العسكرية في أيدي «وحدات حماية الشعب» الكردية.
أنقرة تريد إخراج نحو سبعة آلاف «مقاتل نواة صلبة» من «وحدات حماية الشعب» الكردية إلى خارج «المنطقة الأمنية»، على أن يحل محلهم مقاتلون من «البيشمركة» من المقاتلين والمنشقين الأكراد السوريين الموجودين في كردستان العراق بدعم من رئيس الإقليم مسعود بارزاني، إضافة إلى مقاتلين عرب سيوفرهم رئيس «تيار الغد» أحمد الجربا الذي كرر زياراته إلى أنقرة وأربيل. أنقرة تريد حرية التحرك في هذه المنطقة لـ«ملاحقة الإرهابيين». كما ترفض حالياً أي وجود لقوات الحكومة السورية وتقترح مجالس محلية منتخبة من السكان الأصليين، إضافة إلى إعادة لاجئين إلى الشمال السوري.
هناك رغبة أميركية – تركية بنسخ تجربة «خريطة الطريق» الخاصة بمنبج (إخراج مقاتلي الوحدات من المدينة، دوريات مشتركة، تنسيق أمني، مجالس محلية منتخبة خالية من أنصار الوحدات الكردية) في شرق الفرات بدءا من «المنطقة الامنية». لكن هناك «عقدا» موضع نقاش، إذ أن واشنطن تقترح أن يشمل الإبعاد فقط المقاتلين الأكراد غير السوريين والمحسوبين على «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان ذلك ضمن تصور أوسع تربطه بالعملية السياسية بين أنقرة و«حزب العمال».

-حذر أوروبي
لا تزال هناك سجالات مفتوحة إزاء الدور الأميركي في هذه «المنطقة الأمنية». وهنا يأتي الحديث عن الحوار القائم بين واشنطن وعواصم أوروبية. هل تقيم واشنطن وباريس ولندن في الصفحة نفسها؟
قرار ترمب الانسحاب فاجأ أيضا حلفاءه في أوروبا الذين سبق وأن استجابوا لدعوته في ربيع العام الماضي وزادوا مستوى الانخراط العسكري و«المشاركة في تحمل العبء» بإرسال قوات خاصة لتقاتل مع ألفي جندي أميركي تنظيم داعش. كما أن عددا من الدول بينها فرنسا، أرسلت دبلوماسيين وأقاموا إلى جانب الدبلوماسيين الأميركيين شرق الفرات.

فور وقوع «هول المفاجأة»، تواصل بولتون وبومبيو مع لندن وباريس. كما أن جيمس جيفري، الذي أصبح المبعوث الأميركي في التحالف الدولي ضد «داعش» خلفا لبريت ماكغورك، زار العاصمة الفرنسية قبل يومين. الرسالة الفرنسية، أن «موضوع حماية الأكراد أهم موضوع لدى الرأي العام الفرنسي لأنهم حلفاء وقاتلوا «داعش» نيابة عن الفرنسيين». ماكرون أبلغ الرسالة إلى ترمب. الرسالة الأميركية إلى الحلفاء الأوروبيين، هي: أميركا ستسحب القوات البرية في نهاية أبريل (نيسان) أو مايو (أيار) كحد أقصى، يجب القضاء على «داعش» قبل ذلك، قاعدة التنف الأميركية ستبقى بعد الانسحاب لأنها مرتبطة بالضغط على موسكو ودمشق ومراقبة نفوذ إيران وقطع الطريق البري بين إيران وسوريا، ستوفر أميركا إمكانات عسكرية لحماية القاعدة، أميركا تريد بقاء قوات خاصة واستخبارات من الدول الحليفة شرق الفرات وأن تساهم في «المنطقة الأمنية»، في المقابل ستقدم أميركا الدعم الاستخباراتي وستستخدم قواتها في العراق للتدخل السريع ضد «داعش» أو أي تهديد، إضافة إلى احتمال كبير بالإبقاء على الحظر الجوي.
ظهرت معضلة هنا: أميركا تريد من حلفائها تعهد الالتزام العسكري كي تتمكن من المضي قدما بالحظر الجوي والدعم الاستخباراتي لـ«الأمنية» وجوارها والإبقاء على التنف. الدول الأوروبية تريد تعهدا أميركيا بالبقاء جوا واستخباراتيا وفي التنف، كي تستطيع المضي في بحث بقاء القوات الخاصة والاستخبارات. في الوقت نفسه، هناك حذر فرنسي – بريطاني إزاء إمكانية تنفيذ «الوعود» القادمة من مسـؤولين أميركيين لثلاثة أسباب: الأول، صعوبة الرهان على استقرار قرارات الإدارة الأميركية في ظل حكم ترمب. الثاني، روسيا (وطهران ودمشق) ستختبر أميركا مرات عدة كما أن موسكو ستعرقل ذلك عسكرياً. الثالث، عدم وجود تفويض من الكونغرس الأميركي للبقاء شرق سوريا بعد هزيمة «داعش».
هناك من يستند إلى إمكانية تبرير البقاء بـ«دعم القوات الأميركية في العراق»، غير أن أغلب الظن أن بعض الدول الأوروبية ستنسحب من شرق سوريا قبل الأميركيين.

إغراء روسي
ضمن هذه السجالات، التي ستحتدم بين وزراء التحالف الدولي في واشنطن الأربعاء، ومحاولات إبرام اتفاق بين واشنطن وأنقرة من جهة والمفاوضات الحذرة بين أميركا وحلفائها من جهة ثانية، قامت موسكو ودمشق بهجوم مضاد. أوفدت دمشق مبعوثا إلى بارزاني لـ«فرملة» خيار إرسال «بيشمركة» من كردستان إلى شرق الفرات. ولوحظ امس قيام رئيس «هيئة التفاوض» المعارضة نصر الحريري بزيارة اربيل ولقاء بارزاني لدعم موقف انقرة.
كما مارست موسكو ضغوطا إعلامية على أنقرة في إدلب مع حشد دمشق قواتها شمال حماة بالتزامن مع اتهام تركيا بعدم تنفيذ اتفاق سوتشي في «مثلث الشمال».
تضمن الهجوم الروسي أيضا تشكيكا بجدية الانسحاب الأميركي وتقديم طلب خطي الى واشنطن بتسلم قائمة بأمكنة وكمية السلاح الثقيل والقواعد الأميركية شرق سوريا وجدول زمني لخروجها أو تفكيكها أو تدميرها.
لكن الورقة الروسية الرئيسية، كانت أن موسكو على الطاولة التركية «اتفاق أضنة» بين أنقرة ودمشق الذي يعود إلى العام 1998. بدلاً من خطة أميركية – تركية لـ«المنطقة الأمنية».
“اتفاق أضنة” يعطي أنقرة الحق بملاحقة «حزب العمال الكردستاني» لعمق 5 كيلومترات شمال سوريا، وتتخلى بموجبه دمشق عن أي مطالبة بحقوقها في لواء إسكندرون (إقليم هاتاي) الذي ضمّته تركيا في 1939.

ويعني الاتفاق اعتراف أنقرة بشرعية الحكومة السورية؛ لأن تنفيذه يتطلب كثيراً من الإجراءات، بينها تشكيل لجنة مشتركة وتشغيل خط ساخن بين أجهزة الأمن، إضافة إلى اتصالات سياسية مباشرة، بدلاً من «اتصالات غير مباشرة» وإعادة تشغيل السفارة التركية في دمشق، والسفارة السورية في أنقرة باعتبار أن الاتفاق يتطلب تعيين ضابط ارتباط أمني في كل سفارة. كما يعني انتشار القوات الحكومية السورية على الحدود، والاعتراف بالحدود القائمة من البحر المتوسط إلى العراق.
أنقرة توازن بين عرضين: أميركي وروسي. لديها نافذة مفاضلة تستمر إلى حين إجراء الانتخابات المحلية في مارس المقبل وقرب الانتهاء من الانسحاب الأميركي في مايو والقضاء علـى «داعش». تحاول أنقرة الحصول على «الأفضل» من العرضين. لكن أغلب الظن، بحسب دبلوماسيين غربيين، فإن إردوغان لن يغضب قبل الانتخابات المحلية، ترمب الذي كان لوح بـ«تدمير الاقتصاد التركي» وهو (اردوغان) سيلجأ الى «قضم» قرى عربية شمال سوريا مثل تل ابيض.

 في نهاية المطاف، سيحط اردوغان في  «الحضن الروسي» بعد الانسحاب الأميركي للحصول على نسخة معدلة من «اتفاق أضنة».

 يعني ذلك: انتشار الشرطة الروسية شمال سوريا وقيامها برعاية تنفيذ الاتفاق كما فعلت في الجولان بضمان تنفيذ «اتفاق فك الاشتباك» بين دمشق وتل أبيب. أي، ان يتم إرجاء انتشار القوات الحكومية السورية مع الفصل في الشريط الحدودي مع ترتيبات لا مركزية بين «قلب شرق الفرات» الكردي في القامشلي و«قلب العروبة النابض» في دمشق. أي، أن تكون هذه ترتيبات مؤقتة إلى حين نضوج ظروف حصول خطوات عسكرية وترتيبات مباشرة بين أنقرة ودمشق تحت غطاء حل سياسي منطلقه الإصلاح الدستوري.

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا