رحيل أنطوانيت عازرية.. نَحّاتة الزمن السينمائي السوري الخالد

بواسطة | نوفمبر 5, 2026

في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2026، غيّب الموت المونتيرة السينمائية القديرة أنطوانيت عازرية (1950–2026) في دمشق، عن عمر ناهز 76 عاماً، تاركةً خلفها إرثاً سينمائياً خالداً أسهم في تغيير وجه السينما السورية الحديثة وهندسة ذاكرتها البصرية.

يرتبط اسم المونتيرة السورية الراحلة بسينما المؤلف السورية المتفرّدة، في جغرافيا فنية غالباً ما تسلّط أضواءها على المخرج أو الممثل، وتهمّش المونتير، الذي لولاه لما وُلد الفيلم بصيغته النهائية. فقد ظلّت عازرية تعمل في عتمة قاعة المونتاج، شريكةً حقيقية في صياغة الخطاب البصري والفكري للفيلم السوري. ولم تكن مجرد منفّذة لعملية تقطيع المشاهد، بل كانت نَحّاتة زمن تمتلك حساً بنيوياً فائقاً، حوّل المونتاج إلى أداة لتوليد المعاني الفكرية والجمالية في الأفلام التي عملت فيها.

من وعي الكلمة إلى هندسة الصورة

وُلدت أنطوانيت عازرية في مدينة حلب عام 1950، وبدأت رحلتها الأكاديمية بدراسة الأدب العربي في بيروت، مدفوعةً بشغف أدبي وميل موازٍ إلى العلوم الدقيقة، كالجبر والهندسة. وقد شكّل هذا المزيج النادر بين شاعرية الكلمة وانضباط الرياضيات النواة التأسيسية لوعيها السينمائي لاحقاً.

وسرعان ما اكتشفت امتلاكها حاسة بصرية حادة دفعتها إلى الانتقال إلى القاهرة والالتحاق بالمعهد العالي للسينما، حيث تخرّجت عام 1976 باختصاص فن المونتاج. ومنذ مشاريع تخرّجها الأولى، أثبتت عازرية موهبة استثنائية، إذ نال فيلم تخرّجها المشترك «حكاية ما جرى في مدينة نعم»، للمخرج المصري محمد كامل القليوبي، جائزة المونتاج عام 1976.

وفور عودتها إلى دمشق عام 1977، انضمت إلى المؤسسة العامة للسينما، وبدأت مسيرة مهنية امتدت لعقود، نجحت خلالها في صياغة هوية بصرية خاصة بأفلام «التيار الجديد» في السينما السورية.

توليف أفلام لا تُنسى

تتجلّى عبقرية عازرية النقدية في قدرتها على التكيّف مع الرؤى الإخراجية المتباينة، من دون التنازل عن بصمتها الخاصة بوصفها صانعة إيقاع. وكان أول أعمالها بعد عودتها إلى سوريا الفيلم الوثائقي المهم «الدجاج» (1977) للمخرج الراحل عمر أميرلاي، حيث أسهمت في بناء الهيكلية المونتاجية الصارمة والجريئة التي اتسمت بها سينما أميرلاي الوثائقية التفكيكية.

وفي السينما الروائية الطويلة، شاركت المخرج سمير ذكرى، بالاشتراك مع زميلها زهير داية، في توليف فيلم «حادثة النصف متر»، حيث أظهرت مرونة عالية في الانتقال بين مستويات السرد النفسي والاجتماعي. لكن التجلي الأبرز لسينماها النقدية ظهر في تعاونها مع المخرج أسامة محمد في تحفته السينمائية «نجوم النهار» (1988)، وهو الفيلم الذي حازت عنه عازرية جائزة المونتاج التخصصية في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي عام 1988.

وفي هذا الفيلم، أدارت عازرية ببراعة إيقاعاً مشحوناً بالتوتر والقسوة والتكثيف الرمزي، حيث غدا المقطع العرضي للمشهد أداةً لتعرية المجتمع وبناه التسلطية.

كما امتدت هذه الشراكة الإبداعية لتشمل المخرج عبد اللطيف عبد الحميد، في فيلمين شكّلا علامتين فارقتين في السينما السورية، هما «ليالي ابن آوى» (1988) و«رسائل شفهية» (1999). وهنا، نجحت عازرية في خلق توليفة مونتاجية عذبة وساخرة، وازنت فيها بين الكوميديا السوداء والشجن الريفي، فصنعت تدفقاً مشهدياً عفوياً يلامس الوجدان من دون السقوط في الميلودراما الفجّة.

ولم تقف عند هذا الحد، بل صاغت الرؤية البصرية القاسية والملحمية لفيلم «الطحالب» (1991) للمخرج ريمون بطرس، وقدّمت فيه مقطوعات زمنية بالغة الشاعرية والغموض. أما فيلم «اللجاة» (1995)، للمخرج والمصور رياض شيا، فنالت عنه جائزة المونتاج في مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي عام 1996.

واختتمت هذه السلسلة من التعاون مع كبار المخرجين بفيلم «الترحال» (1997) للمخرج ريمون بطرس، فضلاً عن خوضها تجارب إخراجية خاصة، مثل فيلمها القصير «الأطفال ليسوا دائماً حمقى» (2003)، وأعمالها الوثائقية «أبيض» و«سمعان العامودي».

أثر خالد لا يمحوه الزمن

يتمثّل الأثر النقدي والتاريخي لأنطوانيت عازرية في نقلها مهنة المونتاج في سوريا من مفهوم القص واللصق التقني إلى مفهوم «الكتابة السينمائية الثانية». فقد كانت تؤمن بأن المخرج الجيد هو، بالأساس، مونتير جيد؛ ولذلك فرضت حضورها الفكري في غرفة المونتاج، معيدةً ترتيب الزمن وصانعةً الروابط الخفية بين لقطة وأخرى، بما يخدم عمق الفكرة.

كما أثّرت عازرية في جيل كامل من السينمائيين، عبر تكريسها جماليات الإيقاع الداخلي للقطة، واستثمار الصمت والفراغات البصرية بالكفاءة ذاتها التي يُستثمر بها الحوار والصوت. ولم يكن نيلها جوائز دولية وتكريمها في مهرجان دمشق السينمائي الدولي عام 1995، وفي نقابة الفنانين عام 1999، إلا اعترافاً مؤسساتياً ونقدياً بأن السينما السورية الواعدة، التي جابت المهرجانات العالمية، صُنعت أجزاء أصيلة من هويتها البصرية تحت مقصّ هذه المبدعة الاستثنائية.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

من ساحات الثورة إلى قاعات الورشات: أين ضاع دور المجتمع المدني السوري؟

من ساحات الثورة إلى قاعات الورشات: أين ضاع دور المجتمع المدني السوري؟

مع تحول الثورة السورية إلى حربٍ طويلة، نَشطت في سوريا عشرات منظمات المجتمع المدني المُموَلة. ومع استمرار عملها طوال سنوات الحرب وما بعدها، بدأت الآراء تتباين حول جدوى وجودها، وحول الأثر الفاعل الذي تركته في المجتمع السوري، حيث تعرض جزءٌ كبيرٌ منها لكثيرٍ من...

سوريا بدها كل أولادها: صرخة ضد الحرب والكراهية في رواية «سعيد وظله الليلكي»

سوريا بدها كل أولادها: صرخة ضد الحرب والكراهية في رواية «سعيد وظله الليلكي»

بحساسية عالية، ولغة تستمد مفرداتها من واقع الوجع السوري، تسرد الكاتبة مي عطّاف أحداث روايتها «سعيد وظله الليلكي» (دار التكوين، 2026)، عبر حكاية تناسلت منها حكايات أخرى، لحياة مزدحمة بالخراب وسط اقتتال الإخوة وهزيمة الأرواح وانكسار الأحلام. ففي مدرسة القرية التقى سعيد،...

هل نفقد علاقتنا بالكتب؟ حكايات قرّاء من أجيال مختلفة

هل نفقد علاقتنا بالكتب؟ حكايات قرّاء من أجيال مختلفة

«إن القسم الأكبر من العالم يبدو لنا من خلال ما يقال لنا عنه». ميشال بوتور ربما يتفق معظم محبي الكتب على أن الكتب هي البوابات الأولى والأقدم للعبور من (الحياة الواقعية) إلى عوالم أخرى متنوعة ومدهشة، وممتدة كجسور بين العقل والوجدان البشري وبين الكون بوجوده الفيزيائي...

تدريباتنا