تدريباتنا

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

بواسطة | أبريل 2, 2026

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو.

تحوي المجموعة قصائد منتقاة من دواوين سابقة للشاعرة نبي، وهي: (ظهيرة حب ظهيرة حرب) و**(الموت كما لو كان خردة)** و**(كسور غير مرئية)**.

تأتي أهمية هذا الفوز ليس فقط من عراقة الجائزة ومكانتها المرموقة بين الجوائز، إذ تأسست عام 1981، ونالها شعراء عالميون، منهم ألدا ميريني وشيموس هيني، الشاعر الإيرلندي الحائز على جائزة نوبل عام 1995، فوداد هي أول شاعرة عربية تنال هذه الجائزة، التي ستكون تذكرة عبور إلى القارئ الأوروبي، ناقلة إليه صوت شاعرة نطقت بمعاناة الإنسان السوري في حربه الطويلة داخل بلاده، وحالته في المنفى بعد رحلة اللجوء، وعلى درب الحنين الذي يقضّ لياليه في بلاد الغربة، إلى بيت دمّرته الحرب وإلى حياة سابقة تحمل الجذور في الدم والجسد والروح، وإلى مدن تشبهه حتى في دمارها. وداد نبي (1985) شاعرة من كوباني (عين العرب)، عاشت في حلب، وقد عرفها القارئ السوري قبل العالم بعبارتها الشعرية التي كُتبت على الجدران كشعارات، ورافقت السوريين في أيامهم العصيبة: (أحبها تلك البلاد حتى في خرابها الأخير).

ما يوحي بذلك الحنين المتأصل انتماءً روحياً، وهو ما يجده القارئ في أغلب قصائد الديوان، إذ تتلمس تلك المشاعر والأحاسيس الحارة التي تقلب كيان الإنسان وتضعه على حافة امتحان البقاء في كل حين، وفي مواجهة الفقد. فقد أصبح الموت رفيقاً، ينغرس في تفاصيل حياة السوري الذي حمل معه إلى المكان الجديد، المنفى، تفاصيل مكانه القديم لتعيش معه، توقظه ليلاً وتئنّ في سريره وتحت جلده. وحيث يطالبه العالم أن يكون قوياً بينما كل شيء يحطمه، هكذا تصبح كل القصائد كطيور تطير باتجاه الجنوب حيث الوطن، وكل المدن الغريبة بجمالها ورونقها تجعل ألم الفقد والغربة لا يُحتمل، وتقود القلب إلى الحنين الممضّ. وكل التفاصيل اليومية التي يمارسها المرء بتلقائية تقود ذهن الشاعرة إلى الاشتياق الموجع لمن تركتهم هناك في البلاد، وخاصة الأم التي لا يُحتمل غيابها، فتحريك القهوة تراه شبيهاً بتحريك الستائر كلمسة أخيرة قبل الرحيل، ويظهر الشعر كملاذ أخير، وتعويض عن كل الخراب الحاصل في العالم، فهو الحامي من كل الخراب، ليبقى الخيار الذي تلجأ إليه بينما العالم يمضي وتنشغل الكائنات بأعمالها الصغيرة.

” ربما يكون الشعر
تعويضاً عن الخراب
الذي سيحل بالأرض
حين يموت الشعراء جميعاً
رأيته ببكاء عاشق
حينما اهالوا التراب على قبري.”

أو أن يتحول الشعر إلى تعويذة من الموت لزمن قادم:

“جرح واحد لا أدونه
إنما أخبئه كحرز لموتي القادم:
جرح الشعر الخالد.”

وفي ظل كل المعاناة التي تفرضها الحرب ورحلة اللجوء والغربة، لا تنسى نبي المعاناة المزدوجة للنساء السوريات وتلتصق بها، حيث تتضاعف المعاناة في حالة الحرب. فللنساء، كما تقول نبي، ذاكرة انتقائية تحتفظ بالمشاهد المشبعة بالألم، وتصبح المرأة السورية شبيهة المدن التي نالها القصف والتدمير. توازي الشاعرة بين جراح الحب في روح المرأة وجراح الحرب في جسد حلب، مدينتها، كما لو كانت المرأة مدينة حطمتها الحرب.

“الحب كدمات زرقاء على الجسد
كما لو كان جسد حلب في الحرب.”

تعيد وداد الصوت الأنثوي في الشعر إلى الصدارة، فتلمس ذاك الأنين القديم الذي يختزنه صوت النساء، وتحضر الأمومة والحب وموروث الصمت لدى الأمهات، الذي يعيد إنتاج آلامهن عبر الأجيال. ويحضر الجسد، الذي تراه وداد يوازي البر وسط المحيط، الذي يمنح أسباب الحياة، حيث أقام الإنسان وبنى حضارته، كما يمنح جسد المرأة انطلاق حياة جديدة، وكأنه قارة تضاف إلى قارات العالم، وهو ما يشير إليه عنوان المجموعة.

“جسدك قارة بأكملها
قارة ببحار ومحيطات /جبال ووديان /ولا يمكن لأحد ان يهتف أنا مالك هذه القارة
جسدك قارة من البرتقال في ذاكرة الزمن.”

تنطلق نبي إلى فضاء الأنثى وآفاقه الرحبة، التي يقنصها الواقع الظالم ويأسرها بقيوده، فتحدثنا حيناً عن تلك المرأة التي تشبه صورة أمها، المرأة الماهرة بتمرير القسوة، تلك المهارة التي صارت بالجينات الموروثة لدى النساء جيلاً بعد جيل، وعن تلك المرأة القوية حيناً آخر، التي تكسر معايير المجتمع لتكون حرة ونداً للآخر، رغم مخاطر الصدام التي تواجهها في كل خطوة. تقرأ وداد كيف ينظر الآخر لها في أعماقه ولا شعوره.

هكذا تنطق نبي بصوت النساء المهمشات والمكسورات واللواتي يعانين من سوء الفهم، ولا يطلبن الكثير، بل جلّ ما يطلبنه أشياء بسيطة كالحب والأمومة والطمأنينة والأمان في الشراكة، تقول:

“ركضن وراء رجال لم يفهموا يوماً لماذا تركض امرأة مشتهاة كالكرز وراء شيء بسيط كالحب.”

النساء اللواتي سيبقين كأثر لا يمكن نسيانه وإن اختفى الحب.

لكنها أيضاً تنطق بصوت المرأة الواعية بدورها وقدرتها على الفعل، وبجسدها وكينونتها، فتقدم النموذج المختلف والخارج عن القواعد كلها، عبر المرأة الكردية التي تجاوزت كل الاعتبارات لتنخرط بالعمل المسلح، فتتوجه بتحية إلى المقاتلة أرين ميركان التي نفذت عملية انتحارية في بلدتها عين العرب، واستشهدت في عام 2014، في قصيدة بعنوان “حين نرجم قلوبنا بحجارة كوباني”، تتحدث فيها عن قريتها ومعاناة الأكراد عبر تاريخ طويل من الاضطهاد.

أغلب قصائد المجموعة طويلة، تقود القارئ إلى لذة التفاصيل ومتعة القراءة، ومتصاعدة في التعبير عن الذات الإنسانية في حالاتها المتعددة وآلامها، وخاصة الأنثوية. كما تميل الجمل إلى الطول والسطر المتصل، فتحتفظ بقدرة على تأثيث فضاء القصيدة بالوصف والإشباع العاطفي والبساطة، رغم عمق التناول. لا تغلق وداد نبي على نفسها الانتماء الجندري أو القومي، بل تتسع لتشبك ذلك مع الهم السوري في أوسع أوجهه، كما في قصيدتها “احذروا الهواء في الغوطة الشرقية”، ذلك النداء الذي مات على شفاه ضحايا غاز السارين.

وهو ما أشارت إليه لجنة التحكيم برئاسة الشاعر ميكيلي برانكالي، إذ أشادت بقدرة قصائد وداد نبي على تجسيد جراح المأساة السورية، وطرح أسئلة وجودية حول الفقد والذاكرة والعلاقات الإنسانية في ظل الخراب.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

لم أنجُ بعد

لم أنجُ بعد

لم أنجُ بعدُ من الموت قدمٌ هناكَ و قدمٌ هنا... لم أنجُ من دمي المَقهور عقدٌ من الحربِ يسبحُ بينَ كرياتي الحمراء و عقدٌ من الغرورِ يخنقُ كلماتي البيضاء لم أنجُ كذلكَ من الحياة مازلتُ عالقةً بمصيدةِ عينَيك مثل فراشةٍ ترفرفُ إلى حَتفِها شغفٌ هناكَ و شغفٌ هنا... لا و لم...

تدريباتنا