تدريباتنا

المرأة السورية في السينما والمسرح

بواسطة | مايو 4, 2019

لطالما اهتمت الدراسات ببحث الدور التغييري للفن في المجتمع أكثر من اهتمامها بالتطرق لمحاربة هذا الفن ذاته بمختلف السبل، وإذا ما بحثنا على محركات البحث الالكترونية عن هذا الموضوع سنجد هذه النتيجة بسهولة. لم يكن الفن يوماً إلا اشكالياً شكلاً ومضموناً، وبالتالي فالمشتغلون بالفن (الفنانون/الفنانات) لهم حيواتهم/ن الخاصة وأساليب عيشهم/ن المختلفة التي يمليها ابداعهم/ن الفني، ومن الصعب انصياع الفنان/ة لكل العادات والتقاليد والنظم والقوانين التي لا تكفل حرية الإبداع ونشر الأفكار. هذا الإشكال بين الفن والمجتمع وجد في كل زمان ومكان، فكيف الحال في البلدان العربية التي يخضع أغلبها لشرائع إسلامية صارمة لطالما حاربت الفن ومجتمعات مقيدة بما تنص هذه الشرائع. هذا الوضع يجعل هوامش التعبير التي تملكها الفنانات النسويات ضيقة خاصةً ضمن هيمنة ذكورية مجتمعية تخصهن بالنصيب الأكبر من المضايقات وتكبيل الحريات.

النساء السوريات في السينما
لم تُهمش المرأة في مضامين السينما السورية، بل كان لها وضع معقد كوضعها الإجتماعي تماماً، فهناك من المخرجين من قدمها على شكل جسد وهذا أسوأ ما تم طرحه، وهناك من أعطاها دوراً ثانوياُ إلى جانب البطل الرجل، ومنهم من قدمها بصورة وردية مزيفة في مجتمعها. والقليل من المخرجين من قدم صورة حقيقية وعميقة عن المرأة وتناول قضاياها، ومن أهمهم المخرجة أمل حنا وواحة الراهب وأسامة محمد ومحمد ملص. ولكن تبقى هذه الأعمال تمثل حالات فردية كان لها همها الجدي بالطبع، إلا أنه لم يمر في تاريخ سورية مشروع سينمائي مدروس أو متبنى من جهة منتجة لأعمال تُعنى بوضع المرأة السورية بما يتعلق بحقوقها وواقعها العام وعالمها السيسيولوجي الهام. لذا احتاجت صورة المرأة في السينما السورية لاهتمام أكبر من المخرجين والكتاب الذين بدورهم كانوا على الأغلب رجالاً ولم يستطيعوا التعبير عن واقع النساء كما يجب. وعلى الصعيد المهني، لم تكف المحاولات النسائية عن السعي لقيادة العمل السينمائي السوري (الإخراج)، إلا أنّ النسبة كانت ضئيلة جداً مقارنةً مع الرجل وأغلبهن انكفأن وانتقلن إلى العمل في التلفزيون حيث تكررت المعاناة ذاتها، مع بعض التسهيلات لأنه لا يوازي أهمية فن السينما. وفي الفترة الراهنة الحساسة لم يتحسن حال المرأة السورية في السينما، بل زاد سوءاً في الداخل السوري بسبب توجيه أغلب الأعمال السينمائية لخدمة ايديولوجيات معينة تهم النظام الحاكم، ويبقى التعويل على ما ينتجه وسينتجه المخرجين والمخرجات في الخارج أو الذين يحصلون على منح إخراجية من منظمات ومؤسسات دولية والتي للأسف يقل ويندر تداولها إعلامياً وبالتالي يبقى تأثيرها ودورها في التغيير محدوداً.

النساء السوريات في المسرح
لم يكن حال مضامين المسرح السوري بأفضل من مثيلتها في السينما لأسباب أكثر تعقيداً، فالدراسات في المنطقة العربية حول أزمة المسرح لم ولن تتوقف. ويبقى التساؤل ذاته يطارد المسرح العربي ومنه المسرح السوري دون نتيجة نهائية حتى الآن. فمن البديهي أن تعاني المضامين المطروحة في المسرح من أزمة أيضاً، فأغلب المخرجين في سورية اعتمدوا على الاقتباس والإعداد عن نصوص عالمية، وبعضهم من غيّر المصطلح لـ(دراماتورجيا) اعتباطياً دون دراسة. ويحتاج حال المرأة في سورية لنصوص تُكتب من قبل الكتّاب السوريين والسوريات أنفسهم، لذلك فإن النص المسرحي السوري وبالتالي العرض المسرحي السوري يفتقد إلى معالجة عميقة ومحلية لقضايا المرأة باستثناء بعض التجارب النادرة التي كان روادها نساء عملوا في الإخراج السينمائي كالمخرجة نائلة الأطرش ومها الصالح، اللتان حاولتا تقديم المرأة بصورة مختلفة عن المطروق والنمطي. وعلى الرغم من عدم تناول مواضيع تخص المرأة في المسرح إلا أنها اقتحمت بقوة هذا العالم كعاملة فيه، وهذا شأن له أهميته الكبيرة÷ فقد ظهرت نصوص مسرحية تتحدث عن قضايا متعددة كتبتها خريجات المعهد العالي للفنون المسرحية/قسم الدراسات المسرحية (قسم النقد المسرحي سابقاً) وما زلن، وتحتفظ مكتبة المعهد بغالبية هذه النصوص. كما أنه لا يقل عدد خريجات المعهد العالي/قسم التمثيل عن عدد الخريجين وأغلبهن يمثلن ويعملن في المسرح، ولنا أمل أن يلامسن قضايا نسوية مهمة. ورغم أن النص المسرحي والعرض المسرحي المدعوم من جهات خاصة هو الأقل ظهوراً ورواجاً إلا أنه ربما يُعنى بقضايا المرأة أكثر مما يقدمه المسرح المحلي حالياً في الداخل السوري. فعلى سبيل المثال، يطغى اليوم على المسرحيات المدعومة من مديرية المسارح والموسيقى تمثيل المرأة على أنها أم الشهداء الحزينة والمستكينة دون مساس بعوالمها المختلفة (أنثى/عاملة/مفكرة). يتم هذا التمثيل لخدمة الرؤى التي تريدها هذه المؤسسة الرسمية. ومن الاستثناءات في المشهد المسرحي السوري، حصول مسرحيتين لشابتين سوريتين (إحداهما بعنوان “كحل عربي” والأخرى بعنوان “عزلة”) على منحتين من قبل اتجاهات ثقافة مستقلة عام 2017. تغوص المسرحيتان في عمق عالم المرأة السورية اليوم. ونأمل ظهور نصوص وعروض أخرى مشابهة في المستقبل القريب.
وبالعودة إلى ما بدأنا به عن مواجهة المجتمع للفن، يحضرنا سؤال مهم، كيف يمكن أن يكون للفنانة السورية دور تغييري وهي مُحاربة على مختلف الصعد؟ فمن المعروف أنه لم يكن من السهل انخراط الإنسان السوري في الفن كمسرح وسينما، ولا يغيب عن المشهد السوري حرق مسرح القباني في أوائل الثمانينات. ودائماً ما عانت المرأة من مضايقات ونبذ وقلة تقدير عند انخراطها في الوسط الفني، وما زالت تعاني من الاستخفاف بقدراتها وتحديد أدوارها واستغلالها من قبل العقلية المتخلفة المهيمنة حتى الآن على الوسط الفني والعاملين فيه. وشكلت الفنانات سنة 2011 جزءاً من المجتمع السوري الذي انتفض ضد الديكتاتورية. وكان هم الفنانات الثائرات الاحتجاج على الآليات الفكرية التي تمنعهن من ممارسة حقوقهن والتعبير عن آرائهن. بعد 7 سنوات من هذه الثورة، يمكن الجدل إن كانت النتيجة مفائلة أو مخيبة للآمال، ولكن رغم عدم حدوث تغيير كبير في واقع السينمائيات والمسرحيات، إلا أنه يجب احترام تحديهن للمجتمع عبر الفن ونشر الأفكار التي تشجع على التمرد والثورة على كل النظم الاستبدادية والإقصائية.

* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا