تدريباتنا

الخروج من عقدة الأكثرية والأقليات

بواسطة | نوفمبر 28, 2017

-I-

لا يخفي المشهد الحالي في سورية أبعاده، وإلى حد كبير مآلاته المتوقعة، فهو احتلال من جيوش جنسيات متعددة، الواضح أن النظام متحالف مع بعض أطرافه تحالفا عضوياً، يحاول أن ينتزع لنفسه البقاء على أكبر قدر من مساحة سورية، ولو كان مجرد منتدب عليها، فالاحتلالات لا تسمح بأكثر. بالنسبة لما يزيد عنها، يراهن النظام على الوقت وتغير الظروف الدولية، بعدما استعاد قدرته على الإيحاء بأنه اجتاز مرحلة الخطر نهائيا، وحان الوقت ليضع اللمسات الأخيرة لسورية الأسد؛ دولة متجانسة. أما عن مدتها فيأمل أن تكون أبدية بموجب حق التوريث. ليس في هذا التشخيص مبالغة، النظام يعمل جاهدا على زرعه في رؤوس السوريين، أشبه بقدر لا منجاة لهم منه.  

ما دام السوريون مغيبين عن طاولة المفاوضات، فالأمور السيئة، تتجه نحو الأسوأ؛ الطاولة لن تكون سوى طاولة مساومات حول حصص النفوذ. يديرها الروس بموافقة الأمريكان، أو عدم موافقتهم، سيتولون توزيع الحصص آخذين بعين الاعتبار مصالح كل دولة وما بذلته من جهد في عدم سقوط النظام، تحت غطاء مكافحة الإرهاب، سواء كان بميليشياتها، أو تحالفها سراً أو علناً، وربما بدعمها أو بصمتها. والاتجاه الراهن ينحو إلى ألا يكون للسوريين وجود فعلي على الطاولة لئلا يتعقد الحل.

يستحيل استعادة سورية إلا إذا كان للسوريين الدور الأكبر في تقرير مصير بلدهم، وان تكون لهم الكلمة الأولى والأخيرة في رسم مستقبله. ولا يمكن تمرير هذا الحل إلا برفع أيدي الدول الأجنبية عن سورية، وألا يكون لهذا النظام مكان سوى قاعات المحاكم الدولية الجنائية.  

أما الادعاء بأن السوريين عاجزون عن تولي أمورهم، فعجزهم ليس إلا منعهم عن ممارسة حقوقهم السياسية منذ ما يقارب خمسة عقود.   

-II-

إذا كان هناك حل، فلا شك أن يعي السوريون الدروس المؤلمة للسنوات الست الأخيرة، إضافة إلى ما قبلها؛ السنوات الأربعين من حكم الأسد الأب والأبن. فالبقاء الذي سعى إليه كلاهما أظهر انه استمر بجيش عقائدي من دون أية عقيدة سوى الدفاع عن الأسرة الحاكمة ضد الشعب، والأجهزة الأمنية التي كانت أدوات للقمع والابتزاز والقتل، والاستعانة بشبيحة النهب.

رأيي أن الحل ليس غائباً عن أذهان السوريين، ثمة شبه إجماع على مجتمع مدني ودولة القانون، تقوم على أسس من العدالة والمساواة، تحفظ لهم حياتهم وممتلكاتهم وأديانهم من التعدي عليها.

-III-

إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، وهو المتوقع، فلا استقرار، والانفجار أو الانفجارات قادمة لا محالة. الجرائم القديمة أضيفت إليها جرائم جديدة، تعتبر الأسوأ في تاريخ العالم: نحو مليون شهيد (دونما تمييز بين ضحايا المعارضة والموالاة، كلهم سوريون)، وما يزيد عن ستة ملايين نازح ومشرد ولاجئ، وخراب شامل (حتى لو استثنينا شوارع وأحياء بعض المدن مع باراتها ومطاعمها ودور اللهو العامرة، والمعارض المفبركةالخ).

إنها جرائم يجب المحاسبة عليها، لا أن تبقى معلقة، أو يجري تزويرها. مأساة حماه انتظرت ثلاثين عاما حتى تفجرت. أما المأساة السورية الحالية، فلن تنتظر طويلاً الحل العادل الذي لن يأتي تلقائياً. لذلك المستقبل مفتوح على حرب عصابات، والصوملة، أوأفغانستانسورية.  حرب ستدوم عشرات السنين ما دام وقودها متوافراً؛ المظالم والسلاح.

إن فرض حل قسري تغيب عنه العدالة، لن يمر إلا بإغفال المسبب الأكبر لهذه المآسي التي طالت شعبا بأسره. ما جرى لا يمكن لفلفته بأوامر، ولو كانت دولية.

-IV-

لم تقدم الأغلبية من المثقفين شيئا جيداً للربيع الذي صنعه الناس وحدهم، سوى هذا اللغو المتواصل منذ بداياته حتى انقلابه إلى جحيم.  كانوا مشتتين ومشرذمين ينشدون الأمان، فقادهم إلى تأييد النظام. كان الصمت أجدى.

ما يجب قوله هو، قبل أن يسهم المثقف بتحرير شعبه، عليه التحرر من التبعية، تبعية الدول والأحزاب والشعاراتولذلك لم يكن دفاعه عن مواقفه المخاتلة، إلا بالتذرع بعلمانية مطاطة، والإسلام السياسي، واليسار المريض، والقوميات المتشنجة، والإيديولوجيات المغلقة، ودعاوى مكافحة الإرهاب باستراتيجيات تفوقه إرهاباً يدفع أثمانها المدنيون.

السؤال: هل نريد سورية موحدة، سورية من دون دكتاتور؟ عدا هذا تعتيم على قضية الوطن. الإجابة عنه تكون بالتفكير جذرياً بعدم إيجاد المبررات لنظام قام على الانقلاب، أوصلنا الى الدكتاتورية ومسلسل التوريث وعبادة الرئيس، وإرهاب الدولة، وحرب أهلية وطائفية، كانت حرب إبادة، استعين بها بالميليشيات الدينية والمذهبية بإطلاق، دونما استثناء.

لا يمكن لمثقف ان يقدم لسورية شيئاً إن لم يقلع عن التبرير، والتذرع بالحياد، وادعاء التأمل والتنظير، والاختباء وراء الإنسانية بينما البشر يذبحون أمام عينيه. لا بد من اتخاذ موقف واضح، إن التحرر من ارتباطاته المنفعية ومخاوفه، ليست بتسويغ التعذيب والقتل بدعوي الأمن والأمان، ولا الحذاقة في كونه معارضاً وموالياً في آن واحد، كل هذا في النهاية ليس إلا خيانة للثقافة والبشر.

المثقف اليوم  أحوج ما يكون إلى الضمير.  

-V-

إذا اردنا معرفة منشأ التشنج الطائفي، فلنذهب إلى التاريخ، فهو حافل بمظلوميات السنة والشيعة والعلويين والإسماعيليين، والمسيحيينمظالم أصبحت في عهدة التاريخ، وحده يفصل فيها، ولن يكون بعثها على الأرض إلا لاستغلالها، بعدما أصبحت ملكاً لتاريخ لا يمكن التنصل منه، مهما يكن فهو تاريخنا، لسنا مسؤولين عنه جزائياً، ولا التطوع لحمل أعبائه الثقيلة المتوهمة. بالتالي لماذا يكون حاضرنا، أو يرسم مستقبلنا؟

المشكلة الطائفية موجودة هنا في داخلنا، وهناك من يستثمرها. يستفيد منها النظام بالتخويف من الأكثرية السنيةبتعاضد تحالف الأقليات، والميليشيات المذهبية لإشعال الفتنة. يتعيش كلاهما على مظلوميات تاريخية بابتداع مظلوميات جديدة، هي وصفة مضمونة لحرب أهلية تقوم على الذبح والتهجير.

على هذا الأساس، لا يمكن استبعاد أي فئة من السوريين من مستقبل سورية، بدعوي أنها أقلية، أو أكثرية يستحسن تهجيرها لتتساوي مع غيرها. إن وجود أي دين أو مذهب، ليس مرتبطاً بطائفيته ولا بتعداده، بقدر ما هو جزء لا يتجزأ من البلد.

سورية موحدة لن تكون بلا طوائف ولا بإلغائها أو التعتيم عليها، أو طمسها، وإنما بالخروج من عقدة الأكثرية والأقليات، والتذرع بالمظالم لارتكاب أبشع الجرائم. إن النظر إلى المختلف طائفيا على أنه الآخر، يوقعنا في أسر طائفية تحجب ما يجمعنا معاً وهو أننا بشر، لدينا انتماءات مفروضة علينا، أحدها الطائفة، لكنها لا تحدد أصدقاءنا ولا أعداءنا، ولا تؤثر في خياراتنا.

-VI-

المشكلة الكبرى أن انتزاع سورية من السوريين يلغي آفاق الحل، ولا يضع تصوراً قابل للحياة. وحتى إذا تجاوزنا الواقع السياسي المهلهل، والاحتلالات الناشئة عنه، واردنا اجتراح تصور ما، فنحن مضطرون الى تأمل الحاضر. المحبط، انه لا يبشر بتسوية تسمح لنا بالانتقال الى مستقبل لا يعيد الماضي، فالأوضاع الحالية تكرس تكراره. هذه الوصفة المريرة، يستحيل التكيف معها إلا باستبعادها كلية.

التفكير بسورية أخرى، هي سورية التي أردناها دائماً، قد تبدو اليوم أشبه بحلم، دولة ديمقراطية علمانية، يسود فيها القانون، لكن يجب ان نجعلها أمراً واقعاً، نعمل له ونسعى اليه. لذلك لا بديل عن متابعة الثورة السلمية، الحل الوحيد لسورية المستقبل.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا