تدريباتنا

الخارجية السورية في طرابلس الشام

بواسطة | يوليو 9, 2026

في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة الشيباني تحمل رمزيةً سياسيةً أكبر من منصبه: رمزًا لسقوط النظام السوري السابق، ولصعود سلطة جديدة، ولانتصارٍ شعر قسم من المدينة أنه يعنيه مباشرة، فاحتفوا به وحمّلوه مطالبهم: (أمانة ملف الشيخ الأسير). كانت العبارة إعلانًا صريحًا عن انهيار الثقة بالوسيط السياسي المحلي، وعن مدينةٍ بات أهلها يبحثون خارج حدود الدولة وخارج زعاماتهم التقليدية عمّن يحمل قضيتهم، أو يوهمهم بإمكان حملها.

قد يحمل الاحتفاء الطرابلسي بأسعد الشيباني السلطات السورية الجديدة إلى فخّ (عنجر طرابلسية). فعنجر كانت، في زمن الوصاية، صيغةً للحكم: مركزًا سوريًا موازيًا للدولة اللبنانية، يقصده أصحاب المطالب لأنهم يعرفون أن الطريق إلى الضابط السوري أقصر وأكثر فاعليةً من الطريق إلى النائب أو الوزير اللبناني. وبالتالي، قد لا تكون طرابلس عنجر جديدة في صورة مقرّ أمني أو غرفة ضباط، وقد لا تحتاج إلى دبابة أو جهاز مخابرات. يكفي أن يصبح المسؤول السوري مرجعًا لمطالب المدينة، وأن يشعر أهلها بأن الوصول إليه أجدى من الوصول إلى ممثليهم ودولتهم. عندها يتغيّر شكل النفوذ، لكن منطقه يبقى واحدًا: مرجعية سورية تتقدّم كلما تراجعت الدولة اللبنانية.

وهنا يكمن امتحان حكام سوريا الجدد. فالقطيعة مع نظام الأسد تكون أيضًا برفض وراثة موقعه بوصفه صاحب الكلمة داخل لبنان. وإذا كانت عنجر القديمة قد فُرضت بالقوة والخوف، فقد تولد عنجر الجديدة من الترحيب والحاجة والفراغ السياسي، فتنتقل كاريزما الشيباني من الإعجاب بالشخص إلى التعامل معه كمرجع قادر على التدخل والحل.

غير أن هذا الانتقال يتعارض مع منطق الدولة الحديثة كما صاغه عالم الاجتماع ماكس ويبر، والقائم على السلطة القانونية–العقلانية، حيث تُحلّ القضايا عبر مؤسسات محددة الصلاحيات، وقواعد عامة، وإجراءات لا تتبدل بتبدّل الأشخاص، لا عبر المكانة الشخصية أو العلاقة المباشرة مع صاحب النفوذ. فحين يُطلب من وزير سوري أن يتولى قضيةً لبنانيةً داخلية، تكون الكاريزما قد بدأت تتقدّم على المؤسسة، ويكون الشخص قد اكتسب وظيفةً لا يمنحه إياها منصبه الرسمي.

لكن الكاريزما، بحسب ويبر، لا تبقى استثنائيةً إلى الأبد؛ فهي إما أن تتلاشى، وإما أن تخضع لما يمكن تسميته “روتين الكاريزما”، أي تحويلها إلى قواعد ومؤسسات مستقرة. ومن هنا يبرز السؤال: هل ستعمل سوريا الجديدة على عقلنة الرأسمال الكاريزماتيكي الذي راكمه ممثلوها، وإخضاعه لمنطق الدولة والعلاقات الرسمية بين بلدين؟ أم ستعيد تشكيله بما ينسجم مع خلفيتها السياسية الجديدة، فتنتج نفوذًا أقل خشونةً من الوصاية القديمة، لكنه يقوم مجددًا على تجاوز المؤسسات اللبنانية؟

المشكلة، إذًا، ليست في كاريزما الشيباني السياسية، إنما في المجال الذي تُمارس فيه هذه الكاريزما. فإذا جرى احتواؤها داخل مؤسسات الدولة السورية واستخدامها لبناء شرعية قانونية داخلية، كانت جزءًا من انتقال سياسي نحو الدولة الحديثة. أما إذا امتدت إلى لبنان لتتحول إلى قناة لمعالجة قضاياه الداخلية، فإنها تكون قد خرجت من مسار العقلنة، ودخلت في إنتاج مرجعية موازية قد تمهّد لعنجر جديدة في لبنان.

وليس الشمال اللبناني غريبًا عن أن يتحوّل إلى ميدانٍ تُختبر فيه قدرة الدولة على إدارة أمنها من دون المرجعية السورية. فبعد نحو عامين على خروج الجيش السوري السابق من لبنان، اندلعت معركة نهر البارد عام 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم (فتح الإسلام)، الذي انشقّ عن (فتح الانتفاضة) الموالية لدمشق. يومها اتهمت حكومة فؤاد السنيورة الاستخبارات السورية بالوقوف خلف التنظيم، فيما نفت دمشق و(فتح الإسلام) ذلك.

لكن، بصرف النظر عن الجهة التي حرّكت الشرارة، مثّلت نهر البارد أول امتحان عسكري كبير للدولة اللبنانية بعد انسحاب الجيش السوري: هل يستطيع الجيش اللبناني حسم مواجهة بهذا الحجم من دون المظلة الأمنية السورية التي ادّعت دمشق طويلًا أن لبنان لا يستطيع الاستغناء عنها؟ وقد انتهت المعركة بعد أشهر بانتصار الجيش على (فتح الإسلام)، لكنها خلّفت المخيم مدمّرًا، وعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين مهجّرين.

من هنا، لا يبدو حمل ملف أحمد الأسير إلى الشيباني جزءاً منفصلاً عن تاريخ الشمال. فالمنطقة التي خاضت فيها الدولة اللبنانية امتحان استقلالها الأمني عن دمشق، تعود اليوم لتضع إحدى أكثر قضاياها القضائية والأمنية حساسيةً في يد مسؤول سوري. وإذا كانت معركة نهر البارد قد طرحت سؤالًا عن قدرة الجيش اللبناني على العمل من دون الجيش السوري، فإن ملف الأسير يطرح اليوم سؤالًا مشابهًا بصيغة سياسية: هل تستطيع الدولة اللبنانية معالجة أزماتها من دون أن تستدعي، طوعًا أو عجزًا، مرجعيةً سوريةً جديدة؟

وإذا اختارت دمشق أن ترعى اسم أحمد الأسير ضمن ملف (السجناء الإسلاميين)، فلن يُقرأ موقفها إلا بوصفه منحًا لغطاء سياسي لشخص ارتبط اسمه بالاعتداء على الجيش اللبناني في أحداث عبرا. فالأسير أُدين على خلفية مواجهة مسلحة قُتل فيها ثمانية عشر عسكريًا لبنانيًا وجُرح العشرات، وليس موقوفًا بسبب موقفه من نظام الأسد. ولذلك، فإن تبنّي قضيته من جانب سلطة سورية سيضع دمشق الجديدة في مواجهة مباشرة مع ذاكرة المؤسسة العسكرية اللبنانية وعائلات ضحاياها.

وثكنة محمد زغيب، بما شهدته عقب المعركة من عمليات توقيف وتحقيق واستجواب، خير شاهدٍ على أن ملف أحمد الأسير كان قضيةً أمنيةً ارتبطت بمواجهة مسلحة مع الجيش اللبناني، لا قضية رأي سياسي. لهذا، فإن رعاية دمشق لاسمه ستتجاوز التدخل في القضاء اللبناني إلى ما هو أكثر حساسية: الظهور بمظهر الراعي السياسي لمن حمل السلاح في وجه المؤسسة العسكرية التي يُفترض أن يشكّل احترامها أساس العلاقة بين الدولتين.

لا ينبغي لطرابلس أن تبقى بوابةً تعبر منها الأنظمة إلى لبنان كلما ضعفت الدولة أو اشتعلت الأزمات في سوريا. لقد دفعت المدينة ثمن هذه الوظيفة طويلًا، إذ كان كل توتر في سوريا يجد صداه في أحيائها، ويتحوّل جبل محسن وباب التبانة إلى خطّي تماس لحرب لم يصنعها أهلهما. فجبل محسن لم يكن خصمًا طبيعيًا لطرابلس، كما لم تكن التبانة خزانًا دائمًا للمقاتلين؛ بل جرى تحويل الحرمان المشترك إلى صراع بالوكالة، واستخدام الانقسام المذهبي لإبقاء المدينة مفتوحة أمام النفوذ الخارجي.

ولا يجوز أن تتحول طرابلس، كلما غضب أهلها أو شعروا بالتهميش، إلى مدينة يتم إرضاؤها بتسوية أمنية أو بإخراج اسم من السجن؛ مرةً باسم شادي المولوي، ومرةً باسم أحمد الأسير. فالمدينة تُنصف بإنماء متوازن، وعدالة واحدة، ودولة تستعيد ثقة أبنائها من دون أن تساوم على أمنها أو على دم جنودها.لذلك، على الدولة اللبنانية أن تمنع اليوم الحاجة إلى (عنجر طرابلسية). ويكون ذلك بفرض سلطتها القانونية على المنطقة، وبحسم الملفات القضائية داخل مؤسساتها، وبإنماء متوازن يوفّر لأهالي طرابلس وعكار والشمال فرصًا حقيقية، فلا يبقى الطريق إلى خربة الأكراد وشبكات تهريب البضائع عبر الحدود أقرب إلى الشاب من الطريق إلى وظيفة تحفظ كرامته.

فخربة الأكراد خير شاهدٍ على منطقة تركتها الدولة خارج اقتصادها الشرعي، ثم عادت لتتعامل معها بوصفها مشكلةً أمنية. فالسيادة تُحمى بجعل أهل المنطقة قادرين على الاستغناء عن اقتصاد التهريب، وعن الوسطاء والزعامات والمرجعيات الخارجية. أما إذا استمر الفراغ، فقد تبدأ العودة السورية اليوم بلائحة سجناء تُرفع إلى مسؤول سوري، وغدًا بلائحة وزراء يُطلب رضاه عنهم.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

لا يمكن فهم واقع العلاقات السورية–اللبنانية، ولا ما راكمته من توتر وهيمنة وعداء متبادل، بالانطلاق من دخول قوات نظام الأسد إلى لبنان وحده. فهذا الدخول، على خطورته وما رتّبه من انتهاكات للسيادة اللبنانية، لم يكن بداية الإشكالية بقدر ما كان إحدى نتائجها الأكثر عنفًا....

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

الدواء حقّ لا امتياز: امتحان التعافي الصحي في سوريا بعد الحرب

في غرفةٍ تشحّ فيها الكهرباء ويغيب عنها الدواء، تروي هبة ناصر، البالغة من العمر سبعةً وعشرين عاماً، كيف تحوّل المشفى المتخصّص بعلاج السرطان في دمشق إلى ما يشبه المقبرة، على حدّ وصفها لبي بي سي عربي في مايو/أيار 2026. تكلّفها جرعات العلاج الكيميائي الشهرية نحو ستمئة...

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

الهوية التي تُفَصَّل لسوريا تفتح الطريق للمزيد من سفك الدماء

تُبنى الأُمَمُ على أساسِ تعميقِ الهويّة، فتنفتحُ على الجذور، وتوسّعها وتشملُ كلَّ المكوّنات على جغرافيّتها، ومن ثمّ الاحتفاء بها. تضعُ الشعوبُ هويّتَها على صدرِها كوسامِ استحقاق؛ إنّها إرثُ الأجداد، والعتبةُ التي ستنطلقُ منها نحو المستقبل، لكن في المقابل، الهوية...

تدريباتنا