تدريباتنا

إنقاذ العالم في حقيبة: ليلى الهاشمي وكتابة الخراب السوري

بواسطة | سبتمبر 4, 2026

من الأصوات الإبداعية السورية الشابة التي ظهرت في الحقبة الأخيرة وتميزت وسط فوضى الإنتاج الأدبي، الكاتبة ليلى الهاشمي من مدينة حمص، والتي نهلت من عمق الجرح السوري. نالت مجموعتها القصصية «محاولات إصلاح العالم» منحة بيت التلمساني، بالتعاون مع دار صفصافة وبدعم من صندوق آفاق. استطاعت فيها أن تكسب تعاطف القارئ ومشاعره، وأن توصل رسالتها عن معاناة الإنسان السوري عبر حرب طويلة كان لمدينتها النصيب الأكبر منها.

فعبر عشر قصص هي قوام المجموعة، تقدم صورة عن حياة الناس، ملتصقة بهموم المهمشين الذين يتلقون صدمات العالم في كل الأزمات؛ ممن فقدوا بيوتهم جراء القصف، وتعثرت حياتهم جراء الفساد ورجاله الذين يتاجرون بقضايا البشر ولقمة عيشهم في السلم والحرب، وما آلت إليه حياة السوريين في رحلتهم إلى اللجوء والمنافي، ومعاناة أولئك الذين علقوا في المكان، متغلغلة إلى العمق النفسي للإنسان الذي نجا من الموت لكنه لم ينجُ من الحياة، حيث تضيق الأزمة الاقتصادية الخناق على الناس، وتزيد آلام الفقد بالفقر وفقدان المأوى… وصولاً إلى تلك الكآبة الساكنة في وجوه العالقين تحت سقف الوطن، وقد انهار على أحلامهم وامتص حياتهم بلقمة العيش، حتى صار الناس، كما تقول في إحدى القصص، يتحركون ببطء وبأقدام ثقيلة، كأن الحياة تحولت إلى أوزان مربوطة بأجسادهم.

تقدم الهاشمي صوراً متنوعة ومتعددة من واقع المعاناة السورية، يمتزج فيها الواقع بالخيال بأسلوب تهكمي ساخر يمنح المجموعة مسحة من الكوميديا السوداء، وكأن الكاتبة، إذ تتكئ على السخرية، تستعير أسلوب مدينتها حمص، المعروفة بالنكتة الحاضرة دوماً. والسخرية هنا محاولة لاستيعاب الواقع المجنون الذي ألقى بكل ما هو إنساني خلفه. فكما يقول فولتير: «السخرية هي سلاح الأعزل المغلوب على أمره».

وبين الواقع المؤلم والخيال الخصب، وفي حبكة بسيطة تمزجها بالتهكم والسخرية، تقدم المفارقات الكاشفة عن قسوة الواقع وشدة الألم، بأسلوب رشيق وسرد شيق وماهر يمسك بعواطف القارئ ويهزها في الأعماق.

وإذ تصف الخراب المادي في المدينة والدمار، تتلمس الخراب النفسي والعاطفي لأولئك الذين يسكنونها، وما تخفيه الوجوه والابتسامات والملامح الجامدة.

تأخذ المجموعة عنوانها من قصة «محاولات إصلاح العالم»، في مقاربة لفكرة روبن هود. فالبطلة تحاول إصلاح الأمور في محيطها بحسب رؤيتها وفهمها لمنظومة الفساد والظلم القائمة، بعد أن خسرت والدها الذي اعتُقل بسبب تشابه الأسماء ولم يعد أبداً، وخسرت فرصة التعلم بسبب النزوح من جهة إلى أخرى هرباً من القذائف التي تمطر المدينة، كما خسرت الرجال الذين أحبتهم لأنها تعمل عاملة تنظيف. الأمر الذي سمح لها بأن تكون العنصر الخفي الذي يرى ولا يُرى، مما يتيح لها التصرف دون أن يشك بها أحد، خاصة في مكانين: الأول في مبنى إذاعة خاصة يديرها أحد رجال الطغمة المالية المتكسبة من تجارة المخدرات، والثاني في مشفى عام.

تفضح الكاتبة بنية المجتمع الفاسد الذي يتاجر فيه أصحاب النفوذ بكل شيء، من المخدرات والرقيق الأبيض إلى الأطفال. وبلغة رشيقة وسرد ممتع، تحمل القارئ عبر مفاجآت لا يتوقعها إلى تلك العوالم المظلمة حيث يكون الموت نعمة، وحيث تنقذ تلك الفتاة البسيطة كل ما تستطيع. لكن، في الحقيقة، لا يمكن للبطولة الفردية أن تكون حلاً، وقد لا تنجح دوماً، فبينها وبين الجريمة خيط رقيق قد يتحول فيه البطل إلى مجرم.

في قصتها الأولى «حياة مستعملة»، تنطلق من حكاية بسيطة مؤثرة لتقول لنا إنه في بلاد تنتهك حياة الفرد وخصوصيته، لا حياة حقيقية نختارها، بل إن أبسط الحقوق يتم اغتيالها، وتتحول الحياة إلى زمن علينا عبوره ولو بأسماء غيرنا. فهي ترث اسم أختها الميتة، وميلادها، وألعاب أخواتها. حتى إن لحظات الانفعال العاطفي والتعاطف صارت باهتة وفاقدة للشغف، أما القلوب فباتت باردة، بل كالمطاط الذي صار صلباً من دون ليونته التي أخذ منها اسمه، لكثرة الضغوط التي تطبق عليه. وترى أن كل عمليات التجميل لن تستطيع إخفاء الوجوه الميتة من الداخل.

الباب الثامن للمدينة

وفي قصة «تتسرب من سقف المدينة»، تصف الحي المدمر بفعل القصف، والأبنية التي سُرقت منها حتى قضبان الحديد، بينما تسكن البطلة وسط هذا الدمار. تخبرنا كيف تنشر ليلاً المشاعر المكبوتة مع الغسيل على السطح، وكأنها جنية طيبة آتية من الحكايات، إلى أن تقودها الصدفة إلى إنقاذ كاتب شاب من محاولة الانتحار، فتعده بنقل قصص الناس إليه ليكتبها؛ أولئك الذين تراهم في عملها البسيط في تغليف السكاكر، بعد أن فشلت في إيجاد عمل لها كمرشدة سياحية.

وتتحول معه إلى مرشدة سياحية تقوده إلى التعرف إلى المدينة وناسها. فكما تقول: للمدينة سبعة أبواب، والثامن هو الأهم، ألا وهو باب حكايات الناس.

تشبه السماء بسقف رُتقت ثقوبه بالنجوم اللامعة، بينما يرتق الناس ثقوب سقف حياتهم بالذكريات، ولهذا، حين تجف، تنزّ آلاماً جديدة.

الكوميديا السوداء والخيال الغرائبي

تتناول الهاشمي تلك الجوانب المسكوت عنها في خضم الأحداث، وهي ما تمارسه منظمات يُفترض أن تكون اليد التي تقدم المساعدة للناس، لكنها للأسف لا تتخلى عنهم فقط بعد مدة الاستعراض، بل تستغل قصصهم أيضاً.

ففي قصة «المسابقة العالمية» تعرّج على الإذلال اليومي الذي يتعرض له الضحايا في أماكن النزاعات على أيدي المؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية، التي تقوم بتقليص المساعدات شيئاً فشيئاً بسبب الرصيد المحدود، بينما تتكاثر بؤر النزاع والحروب في العالم. وفي مفارقة مدهشة، تقدم حلاً ساخراً، وهو إجراء مسابقة عالمية بين نماذج من المعاناة في العالم لتحديد الأحقية في نيل المساعدات، ثم تحويل ذلك إلى مهرجان وتظاهرة عالميين يتبارى فيهما الضحايا بإبراز قصصهم وشدة معاناتهم لنيل المعونات.

وهذا كله سيكلف أموالاً باهظة كان من الأجدر صرفها على غذاء هؤلاء المحتاجين إلى لقمة العيش، في إشارة ساخرة إلى فساد هذه المنظمات ومتاجرتها بآلام الناس تحت الشعارات الطنانة. فكرة جريئة تقدمها في قالب من الكوميديا السوداء، وبتفاصيل مدهشة مدروسة بعناية.

يتخذ الفقد في قصص ليلى ألواناً عديدة مستوحاة من الواقع؛ فهو فرار من التجنيد تارة، أو موت بطلقة طائشة، أو فرار إلى حي آخر، أو مدينة أخرى، أو بلاد بعيدة. وكثيراً ما بقي في البيوت كبار السن يسلّون وحدتهم بتربية قطة، على سبيل المثال. وفي قصتها «ألف باء مياو» نرى كيف أجلست المعلمة قطها لتعلمه بدلاً من تلاميذها.

أما في قصة «جرعة كيف»، فتمزج الغرائبية والخيال بالواقع، حيث توزع الحكومة على المواطنين مكملات غذائية كالخبز، في إشارة إلى كيفية حقن الأدمغة بالأفكار التي تخدمها والسيطرة عليهم من خلالها، عقلياً وجسدياً، إذ تحولهم إلى أجساد منومة تدب على الأرض وتطلب المزيد من تلك المكملات وكأنها تدمنها.

حتى إنها تشير إلى فكرتها التي تؤمن بها، وهي قول كونديرا عن عدم أخذ العالم على محمل الجد لأننا فاقدو القدرة على تغييره. ففي قصة «حلوى السخرية» تتحدث عن فساد التعليم الذي حرمها من الدراسات العليا، ودفعتها حاجتها إلى الشوكولا لمقاومة خيبتها إلى فكرة صناعة الحلويات، محولة كتبها ودفاترها إلى وقود لفرن بدائي، تخبز عليه حلويات تسميها باسم الكاتب أو المبدع الذي أحرقت كتبه؛ فمثلاً «حلوى وليم» لأنها أحرقت مسرحيات شكسبير تحتها، أو حلويات شو، أو كيكة تشارلي، وهكذا.

وتستخدم مهارتها الأدبية لتضيف لكل خلطة طعماً مميزاً، وكأنها تعطي رأيها بالكاتب، مشيرة إلى تلك الذائقة التي تمنحها القدرة على ربط كل نوع أدبي بطعم ونكهة خاصين، في مهارة لافتة في انتقاء الفكرة، لن تجيدها إلا امرأة تتذوق الأدب بكل حواسها. وتطعم تلك المهارة بمكرها الخاص حين تجمع اسمها إلى كلمة تتأرجح بين اسم الكيك واسم السخرية بالإنكليزية: «ساركازيم»، ليصبح اسم معملها البدائي الصغير.

تمرر ليلى في سردها إشارات إلى حساسية أنثوية متدفقة تضاف إلى تلك المهارات، فتقول مثلاً: «هل يجب أن نحرق كل ما نحب كي ننضج؟».

في النهاية، اكتفت بأنها قد خدشت وجه القوانين في مدينة ذهب نصفها إلى الدمار، واستمرت.

أنسنة الحيوان والأشياء

حاولت الهاشمي أنسنة الأشياء، كما أنسنت القط الذي تعلم على يد المعلمة التي ربته، وكذلك في قصة «الصدأ»، حين تتحدث بصوت اللغم الذي نُسي في أحد الأبنية المدمرة وصار يتشهى الانفجار ولو بواسطة زلزال.

وفي قصة «حقيبة خفيفة» نرى قدرة الإنسان على التكيف مع الواقع. فأهل المدينة، حمص، احتفظوا دوماً بحقيبة خفيفة تحمل المستندات والحاجيات الضرورية في كل هروب، ومع تكرار ذلك ملّوا، وحين جاء الزلزال لم يهتموا، إذ تساوت الأشياء في قيمتها وضرورتها، ولم يعد لديهم ما ينقذونه سوى أنفسهم.

لا تعرف المرأة الوحيدة في القصة ما ستأخذه في الحقيبة، بينما يأتيها المخاض أثناء الزلزال، وترى أن أغلى ما لديها هو الجنين. تصور الهاشمي بطلتها تجلس في الحقيبة مع طفلها الذي أتى وسط السائل الأمنيوسي، وتطفو كروح غادرت مع سكان المدينة الذين يسبحون فوق بخار كأنه السائل الذي يحفظهم، في مجاز لحلم الولادة المنتظرة التي ستنقذهم.

قصص ليلى الهاشمي ممتعة؛ تحول الواقع السوداوي إلى مزحة، وتشد عواطف القارئ ومشاعره من أذنها في تشويق مستمر وسرد جميل ومؤثر، تحلق فيه من دون ترهل أو استفاضة، مطعمة سردها بلغة أدبية مميزة من دون أن يكون ذلك على حساب الفكرة أو الصياغة.

مجموعة تستحق الاهتمام والقراءة. ويُذكر أن للكاتبة روايتين قصيرتين: الأولى بعنوان «أربع تذاكر للهروب»، والثانية بعنوان «حمم باردة».

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

حين يصبح الجسد لغة: سنية صالح وكتابة الوجود

حين يصبح الجسد لغة: سنية صالح وكتابة الوجود

الجسد لغة للوجود قليلات هنّ الشاعرات اللواتي استطعن أن يحوّلن الجسد من موضوع للكتابة إلى وسيلة للتفكير في الإنسان. في شعر سنية صالح لا يظهر الجسد الأنثوي بوصفه رمزًا للجمال أو موضوعًا للرغبة، بل بوصفه ذاكرة تحمل آثار التهميش، والحب، والأمومة، والمرض، والموت. ومن خلاله...

سوريا الجديدة والحضور النسائي في المشهد الوطني والسياسي العام 

سوريا الجديدة والحضور النسائي في المشهد الوطني والسياسي العام 

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار...

حول تفاقم الهويات وترهل التشاركية في سورية

حول تفاقم الهويات وترهل التشاركية في سورية

بينما كانت معظم مناطق محافظة السويداء السورية تستذكر ضحايا الانتهاكات والمجازر التي مضى عليها عام، جرّاء المعارك بين القوات الحكومية الجديدة وفصائل معارضة لها، تتذكّر مناطق سورية أخرى، في المقابل، أن أعلاماً إسرائيلية رُفعت فوق الجراح السورية هناك، وأن مبنى وزارة...

تدريباتنا